ابن رشد
172
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
وضعه للجمهور ، ولا يصرح لهم بغير ذلك . فان هذا النوع من التمثيل في خلق العالم هو الموجود في القرآن وفي التوراة وفي سائر الكتب المنزلة . [ 227 ] ومن العجب الذي في هذا المعنى أن التمثيل الذي جاء في الشرع في خلق العالم يطابق معنى الحدوث الذي في الشاهد . ولكن الشرع لم يصرح فيه بهذا اللفظ ، وذلك تنبيه منه للعلماء على أن حدوث العالم ليس هو مثل الحدوث الذي في الشاهد ، وإنما أطلق عليه لفظ الخلق ولفظ ( 55 / ظ ) الفطور ، وهذه الألفاظ تصلح لتصور المعنيين ، أعني : لتصور الحدوث الذي في الشاهد ، وتصور الحدوث الذي أدى إليه البرهان عند العلماء في الغائب . فإذن ، استعمال لفظ الحدوث أو القدم بدعة في الشرع ، وموقع في شبهة عظيمة تفسد عقائد الجمهور ، وبخاصة الجدليين منهم . [ 228 ] ولذلك عرضت أشد حيرة تكون ، وأعظم شبهة ، للمتكلمين من أهل ملتنا ، أعني الأشعرية . وذلك أنه لما صرحوا أن اللّه مريد بإرادة قديمة ، وهذا بدعة كما قلنا ، ووضعوا « 81 » أن العالم محدث ، قيل لهم كيف يكون مراد حادث عن إرادة قديمة ؟ فقالوا إن الإرادة القديمة تعلقت بإيجاده في وقت مخصوص وهو الوقت الذي وجد فيه . [ 229 ] فقيل لهم : إن كانت نسبة الفاعل المريد إلى المحدث ، في وقت عدمه ، هي بعينها نسبته إليه في وقت إيجاده ، فالمحدث لم يكن وجوده في وقت وجوده أولى منه في غيره ، إذ « 82 » لم يتعلق به ، في وقت الوجود ، فعل انتفى عنه في وقت العدم . وإن كانت ( - نسبة الفاعل المريد إلى المحدث ) مختلفة ، فهنالك إرادة حادثة ضرورة ، وإلا وجب أن يكون مفعول محدث عن فعل قديم . فإن ما يلزم من ذلك في الفعل ، يلزم في الإرادة . [ 230 ] وذلك أنه يقال لهم : إذا حضر الوقت ، وقت وجوده ، فوجد ، فهل « 83 » وجد بفعل قديم أو بفعل محدث ؟ فان قالوا بفعل قديم ، فقد جوزوا وجود المحدث بفعل قديم . وإن قالوا : بفعل محدث ، لزمهم أن يكون هنالك إرادة محدثة .
--> ( 81 ) . ت : " وصفوا " ( 82 ) . س : جاء في المتن " إذا " ، وصحح في الهامش " إذ " ( وهذا ما نرجح ) ، ولم يضع الناسخ أو المصحح ، كما يفعل عادة ، رمز " ب " فوق " إذا " في المتن . في بقية النسخ " إذا " . ( 83 ) . ت ، مل 1 ، قا : " هل " . مل 2 : راجعه فصححه : فهل .